-->
U3F1ZWV6ZTI5NTQ5MjcwMjI5X0FjdGl2YXRpb24zMzQ3NTI0NjMzMzI=
recent
أخبار ساخنة
��الاخبار��

قراءة في مفهوم التاريخ !!!

 




    إنّ التاريخ في أبسط صوره الفنيّة والفلسفية يُمثّل الخَلْفيَّة الناتجة عن تقادم الأزمنة وتقدُّمِها

 في إستمراريتها الوجودية وما يَنْشئُ عن ذلك من تراكمات حسيّة ولا حسيّة لشَتّى الأنماط

الكونية التي يُتَوصَّل إلى إدراك كُنْهِهَا من خلال العملية الفكرية والذهنية بالإعتماد على ما حفظته تواترية الذاكرة الفردية والجماعية وكذا ما دُوِّنَ بين دفّات الأسفار ودلّت عليه الآثار وغيرها من سائر الشواهد العلنية على الحياة الإنسانية عبر مختلف مراحلها التطورية وأصقاعها المكانية ، ولولا الرجوع إلى هذه الجذور العميقة والقَبْلِيَّة لَما إستطاعت البشرية مواكبة سُلَّم البَعدية والرُّقيّ إلى المستقبل وبناء الحضارة على قواعد الواقع والحقيقة لأنّ العبرة والعظة تكمُن دائما في مدى الإستفادة من الكبوات الفائتة والإستدراك على الهفوات الماضية باتِّخاذها أساسا وقاعدة ؛ حيث لا تتمُّ أيّة إنطلاقة جديدة إلاَّ بالإستقراءات المرجعية والإستقصاءات التاريخية ؛ وبمعنى آخر إنّ العودة إلى الأصول مرتبط بتَجَلِّياتٍ ملموسة ومعلومة ؛ أي غير مجهولة بينما التطلُّع إلى المستقبل من نقطة الفراغ والصفر قائم على النظرة الإفتراضية والخيالية ، أو بالأصح نظرة مجهولة ..؟  والعلم الصريح الصحيح ، الدقيق يتدرَّج في مناهجه النظرية والتطبيقية وفق تَراتُبيات متوالية حسب ما نصَّت ورَسَتْ عليه مُعطياتٌ أو نتائج متقدِّمة تَمَخَّضَت عن تجارب سابقة   للأمم والأعصر السالفة.

   فالتاريخ من هذا المنطلق بمثابة الذاكرة الحيّة للشعوب والأمم ، وهو روحها وكيانها وهويتها وشخصيتها ومستودع آمالها وآلامها ، وأصالتها وعراقتها ووجودها وكلّ حياتها ؛ وعليه فإنَّ اِتِّخاذه دليلا للإستنارة بالمآثر والأمجاد ، والإقتداء بالمناقب والبطولات والإطِّلاع على حيْثِيَات الأحوال والأوضاع بسرَّائها وضرَّائها مطلب ضروري لابدَّ منه حتى نتزوَّد بالدفع اللاَّزم للمُضيِّ قُدما نحو الأمام ، وأن يتسنَّى ويُتاح  لنا معرفة الصّديق من العدو والتمييز بين سُبُلِ الخير والشر، وأيضا حتى لا ننسى عروق دِمائنا وثوابت اِنتمائنا ومبادئ عقيدتنا وديننا ، ثمّ أنْ نبذل بعد ذلك الجهود والمساعي لحماية هذا التاريخ الحافل والحفاظ عليه من الضياع والإندثار؛ بتدوينه وروايته وتعليمه والتشجيع لقراءته على أصحّ أوجهه ؛ خاصة ما تعلّق منه بالقضايا المصيرية التي مسّت العباد والبلاد كالنضال والكفاح والثورة ضد طواغيت الإستبداد وجُنَاة الاحتلال ، وجميع الآفات التي تعيق عيش الناس في وحدة وسلام تحت راية الإسلام ؛ فتتمكّن الأجيال القادمة واللاحقة من معرفة تاريخها وماضيها على أكمل وأصدق صورة لتواصل بدورها مسيرة الجِدّ والمجد في الإنشاء والتّشييد لعِزِّ وطن غالٍ حبيب تقلَّد المُنى بأرواح الأبرياء ودماء الشهداء فصار أمانة في ذمم وأعناق هؤلاء الأبناء من جيل الحرية والاستقلال، ووجب عليهم مراعاتها حق مراعاة .

   وكي لا أطيل الكلام عن الماهية الفكرية لعلم التاريخ ودوره في ازدهار المستقبل ومن ثمت فائدة تدوينه وكتابته وفضل روايته وتعلُّمه، ومساهمة الأساتذة والمثقفين ومختلف الهيأت والأطراف العامة والخاصة في نشر ثقافته والحثِّ على العناية به أجدني مضطرا ومُلزما بطرح سؤال على قدر من الأهمية حول مدى مصداقية وموضوعية الشواهد المُقدّمة في طرح مسيرة الثورة الجزائرية وهل قام المعنيُّون بالمسألة الثورية والمعايشين لمجراياتها ، بل والمشاركين في صناعة أحداثها من مجاهدين ومناضلين من التصريح والبوح وتبرئة ضمائرهم الوطنية وإفَاضَةِ ما في جُعَبِهِم والإدلاء بكل ما يعرفونه ويعلمونه  حول شأن الثورة المجيدة، بما حملته كأيَّةِ ثورة وإنتفاضة في العالم من أسرار وخفايا، وأزمات ورزايا طوال مشوارها إلى أن كُلِلَت في النهاية بالانتصار والحرية..؟؟

وللإجابة عن مثل هذا السؤال ينبغي القول أنَّ مؤشر القضايا التي لا تزال عالقة ومبهمة عن بعض أحداث ومواقف الثورة يؤكد وجود ثغرات واضحة في الرواية التاريخية ، لم يُعطي لنا أصحابها تأويلات مناسبة ؛ أو لنقل تفسيرات مقنعة بغضِّ النّظر عن أسباب ذلك الإحجام ...؟؟، سواء راجع إلى ضغوطات فوقية ، وتخوّفٌ من أولياء الأمر وذوي السلطة العليا ، أو أنّه محضُ قناعات شخصية ورُؤىً ذاتية أملتها الظروف والمواقع المتباينة للعناصر والأشخاص ؛ إذ أنّ طريقة النّظر إلى الحدث قد تكون من زوايا متعددة ؛ ومن ثمّت فلا جرم ولا عجب من أن تَنْجم عنها أراء متفاوتة في درجة الإصابة والخطأ .. !؟  لكن المشكلة تتجاوز أحيانا هذه القضية إلى ما نراه ونسمعه كل يوم من صخب مثْقلٍ بالقيل والقال ولَغَطٍ مغلوط يؤدي إلى تظليل الرأي العام بشتّى الإدِّعاءات والمزاعم ، و مِن قِبَل كلّ من هبَّ ودبَّ وللأسف نجد ذلك حتى من بعض أهل الشأن ؛ حيث يُضَخَّمون في هذا وينتقصون من ذاك ،  فراحت ألسنتهم تلُوك حبائِك نسيج محكم التنميق بالتأويل والمبالغة ، وربما التصحيف والتزوير؛ مُقدِّمين بذلك الأثرة والأنانية والعُجب والرياء عن المصداقية التاريخية الصحيحة والموضوعية العلمية الصريحة...

فلا يسعنا أمام حملة التشويه والتحريف هذه إلاّ تشمير سواعد الجِدِّ وتحرّي الدّقة والصواب في الإعـتداد بالنـقـد التاريـخي البـنّاء - على شاكـلة ما أتحفنا به العلامة " إبن خلدون" في تحقيق مذاهب التاريخ والإلماع بما يعرض فيه - الذي يُعدُّ بحقّ خطوة مهمة للوصول إلى إجابات شافية وإباناتٍ كافية لكثير من الإشكالات المُقلقة والمُغرضة .

    ويبقى إلتماس التاريخ وحقائقه من مصادره الأصيلة الموثوقة وأهله الأوفياء- ممن لا يأبهون لذمّ أو ثناء ، ماداموا على الطريقة المثلى والشِّرعة الفضلى في الإستقامة والتُّقى ، فلا يخافون في قول كلمة الحق لومة لائم ولا غضبة غاضب  كفيلا لإماطة اللثام عن الغموض القائم وإسقاط الدسائس وردِّ السفاسف على  مُدّعيها وأن نضع في حُسباننا دائما وأبدا أنما الأعمال تقاس بنتائجها وخواتيمها قبل أن تقاس بكمِّها وكيفها ؛ وعليه فمهما حدث وحصل فإنَّه قد كفانا بإحراز النَّصر ، والظَّفر بالاستقلال خير مغنم وأبلغ ثمن عن التضحية والفداء وأبرز آية عما بذله المجاهدون والشهداء ؛ إذ لا شك أنّ دروب الكفاح والثورة محفوفة بالصعوبات والتضحيات ، مليئة بالأزمات والعقبات ؛ لذلك فإنّه لا يتحقق الوصول إلى الحرية وهزيمة الأعداء إلا بعد ملاحم بطولية كبيرة يقضي فيها أعداد جزيلة من الأرواح والضحايا لتكون العبرة في النهاية بالحرية أو الشهادة ؛ فهي وحدها تُعدّ عزاء ورثاء للقيمة والعطاء المبذول ..

                                                                     بقلم : إسماعيل بوتمامين

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة