-->
U3F1ZWV6ZTI5NTQ5MjcwMjI5X0FjdGl2YXRpb24zMzQ3NTI0NjMzMzI=
recent
أخبار ساخنة
��الاخبار��

علاقة التراث الشعبي بالأدب والرواية

 




تقترن المعارف والعلوم وكذا الآداب والفنون ببعضها البعض من خلال علائق تفاعلية فيما بينها، تتم على مستوى بناها الداخلية والخارجية (الشكل والمضمون) مما يمكن أن نسميه بالنمطية التأثرية، عبر مراحل الزمن المختلفة في الحدود والأقاليم المتباينة، دون أية قواعد ثابتة، سنة جارية إقتضتها طبيعة الكون نفسه القائمة على الضرورة الاجتماعية، ومن ثمة الصيرورة التفاعلية للبنى الثقافية، التي يمثل التراث الشعبي إحدى لبناتها الأساسية باعتباره الأصل الأول للمعرفة الإنسانية، وهو بذلك يحقق نقطة الإلتقاء مع فنون المعرفة الأخرى في شتى الميادين والمجالات، إنطلاقا من علوم التجريب والمادة وصولا إلى فنون الأدب والمحاكاة، بما لا يدع مكانا للشك أنه على خلاف المعارف الإنسانية كلها هو شديد القرابة، متين الصلة بموسوعة عالم الثقافة الحديثة، ودنيا الآداب الجديدة، في عصر استولت عليه عناصر الحضارة.      

 على أن ما يربط التراث الشعبي باالعلوم الأخرى أو ببعضها على الأقل ليس مجرد علاقة تأثرية فقط.بل هي وشائج عرقية متجذرة الأصل منذ الأزل وما تزال تبث حيوية كيانها مع نبض كل حركة حداثية جديدة.والحق يقال أن التراث الشعبي طالما كان بمثابة روح العصر ومتنفسه الذي يطرح الشعب من خلاله جميع انشغالاته.فمظاهر الفنون الحديثة مهما استطالت متونها وتعالت أفاقها تبقى عاجزة عن إيفاء الحس الواقعي حقه .دون لمسة من لدن ثقافة الشعب ومعارفه.مما يقر بكينونة التراث الشعبي كأصل أولا وكأثر ومؤثر ثانيا...في صميم لباب المعارف لاسيما الإنسانية ونخص بالذكر هنا الأدبية منها لأن شجرة الأدب دون غيرها أكثر قربا ومقدرة على تعبئة الأحاسيس الإنسانية والمشاعر الشعبية من خلال نماذج فنونها المتعددة من شعر ورواية. مسرح ومقالة أوغيرها... بواسطة التواصل المباشر وغير المباشر مع التراث الشعبي بكل أشكاله ومظاهره .وإن كانت في ذلك تأخذ تفاوتا من فن لأخر حسب طبيعة ماهيته وفنية غايته.. ولما كان الأمر كذلك نال كل من الرواية والمسرح أكبر قسط من مختلف عناصر التراث الشعبي بما سمحت لهم فيه أصولهم التاريخية النابعة من معين الجماهير الشعبية في البداية حيث ظلت قائمة إلى اليوم، خاضعة لنزعة الجماهيرية في الأولوية التداولية والنتاجية الإستهلاكية فمنها تأخذ وإليها تفرغ المادة الأدبية. والرواية خاصة لها صيت ذائع في هذا المجال حيث أمست تغترف من ألوان الثقافة الشعبية وتقطف من مأثورات حقلها التراثي بالمحاكاة تارة وبالتأثر تارة أخرى إذ لاشك أن النمطية الفنية للرواية في حاجة إلى عناصر جمالية كثيرة تثري صعيدها الداخلي كما هي في حاجة إلى مكونات فنية تقيم سرح بنائها الخارجي والتي لاتعدو عن كونها تراثية. شعبية في كلا الوجهين وإلا لما استقام منظورها الفني ومن ثمت مردودها الثقافي الذي جعلها تحظى بمرتبة الصدارة من حيث المطالعة والقراءة لدى طبقات المثقفين والعامة على حد السواء.  
  فبالرغم من كل ما قد يقال عن التراث الشعبي، ويثار حوله من شبهات، وشكوك في صلاحيته ليكون مادة أدبية يعتد بها في بناء سروح الثقافة العاجية، فإن الحق أجلى من أن يخفى و أن التراث الشعبي أولية لازمة وأولوية لا بد منها ، لاسيما في فنون مخصوصة ، مما تستلزم طبيعتها ملامسة الواقع الاجتماعي، ومعايشة الناس في حياتهم اليومية ،  كفن الرواية، التي تكاد لا تخرج عن طابع الجماهيرية، سواء في العملية النتاجية أو التداولية الاستهلاكية، وهي تخضع لنسبية متفاوتة يتحكم فيها نوع الرواية، ورؤية الكاتب، وأسلوبه، وكذا عامل الزمان والمكان كما تجلى لنا من خلال طائفة الروايات الجزائرية - مثلا- ، التي   كان فيها الكاتب الروائي قريبا من بيئته المحيطة واستطاع أن ينقل تراثيات شعبه، ويجسد مظاهرها المختلفة في متن روايته بسلاسة فنية رائعة، ودلالة جمالية بالغة، أما عندما ابتعد عن أحضان بيئته، فألقى بنفسه في صدر الحضارة والتكنولوجيا. حيث فصلت الآلة بينه وبين واقع شعبه، فصار أكثر بعدا عما كان عليه من قبل، حيث اغتدت رواياته روئ نظرية تسرح في عوالم الخيال، أين وجدت الأسطورة قرار مكمنها، مستهوية بذلك جمهور الكتاب بكل مستوياتهم، وثقافاتهم حيث ظلوا يوظفونها، ويغترفون منها شتى التقنيات والعناصر الأسطورية على سبيل تعبئة المدلول الروائي وإشباعه بالنزعة السيميائية من أجل تحقيق مقاربة الغموض، وكسر أفق انتظار القارئ، بتنويعات جمالية جديدة، ملتمسة الخروج عن سلك المألوف من خلال هذه النمطية الخيالية، ولعل الرواية الجديدة أقرب إليها من سالفتها التقليدية.
     إذا عموما فالتراث الشعبي هو آلية تواصلية ذات حدين، في يد الكاتب يجب أن يخضعها لمقاييس فنية، وتوازنات جمالية محددة، وإلا ما استقام له عمله.  
    
                                                                                   بقلم : إسماعيل بوتمامين                                                                                                
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة