-->
U3F1ZWV6ZTI5NTQ5MjcwMjI5X0FjdGl2YXRpb24zMzQ3NTI0NjMzMzI=
recent
أخبار ساخنة
��الاخبار��

بقرة جدي

   

 


   كانت عند جدي بقرة ..بقرةٌ سَمِينة رائعةٌ ، جميلة تسُــرُّ النَّـــاظرين..لكن أولاد الحرام سرقوها واغتصَبوها..اغتصبوها كَـرْهًا وسُـوءًا..فحـلبُـوها ثم حـلبُـوها  وحـلبُـوها ،، وتجاوزوا في استغلالها وتعذيبها كلَّ عُــرْفٍ وَحَــدِّ ، وأَعـمَـلُوا فيها الـسَّـوطَ و الــجَلْــد ، والكَـدّ والكَـدْح في كلّ حَـدْبٍ وَصَوب.. واِستَـنْـزَفوا ضِرْعَهَا مِن كَـثْرة الــحَــلــبِ و الـسَّلــبِ ؛ حتى كادت تَـفْـنَى وتَهْـلِـك..

      وهكذا ظلوا يَحـلِـبُـونَها دون أن يقدّموا لها علفا أو حشيشا ماعدا فضلات قليلة.. حتى استَـنْـزَفُـوهَا تماما ، وصار ضِرْعُهَا يَقْطُـر بدلَ الحليبِ دماءً..

فقاموا بعدها بِـنَـتْـفِ شُعَـيْـراتِ جِـلْـدِها وباعوها شُعيرة شُعيرة..

لم يرْحمُوها..بل ازداد جَشَعُهم كثيرا ؛ فاستغلوها في الحراثة والفلاحة ، والاقتصاد والصناعة (تَطْحن وتعْـصِر وتَغسِلُ..) وفي الركوب والنقل ، وأغراض أخرى..حتى أنَّهم سيَّـــروها مع الكلاب للحراسة...

     بَقِيَّـتِ البقرةُ المسكينة في العذاب المُهين ، والعبودية المَـقِـيتَـة ، والخِـدمَة المُذلَّـة سنين وأزمنة عديدة  يَـتَـوارَثُـها (المافيا) و السَّارقين جيلا فجيلا..؛ وهي تَنْزِفُ وتَـئِـنُّ..فأحالوها مع مرور الوقت و الأيام نَحِيلَةً هزيلةً ، نَحِيفَة..قد تساقطت أسنانها ، وذبُـلَ اللَّحمُ عن جَسَدِها وأفخَاذِها..ولم يَـبْـق منها سوى العظام يحوم حولها الذُّباب مُحاولا أن يَـمُـشَّ آخر ما تبفى من ذيلها وأذُنَـيْـها..

وَرغم كل ذلك مازالت ولا تزال أيادي الفَساد تُرْهِـقُهَا صُعودا ونُزولا..ولكي تُضفي عصابة اللصوص من عقارب وجرذان الشَّرعية التامة والسيطرة الكاملة على تملُّكها للبقرة..بثت أخبارها..وأعلنت أنها ستقوم بزف البقرة لأحد الثيران (الهرمة) ليكون كفيلها..وسائسها..وليردُّ لها الفُــتُـــوَّة والخُــصــوبة... !!!

وكان مقصدهم من ذلك  التحضير لساعة ذبحها ؛ ليَـتَقَـاسَـمُوا عِـظامَها غَـــنِــيــمَــة أخــيـرة..

في حين ظلت الكلمات الحزينة لجدي الذي غادر من غير رجعة عن وصيته بالبقرة -التي لم أملكها يوما- يتردد صداها بقوة في الآفاق بكرة وعشية دون أن أفقه معناها ؟؟!!!

مازلت أحــبهــا... !!!     أُحِـبُّـها..فـأسأل..    لمــاذا..؟؟

وهــل يُـعـقــل..؟؟           وقـد أفِــل منها الشّرفُ وأدبـر..!!؟؟

أحبّها وإنَّـنـي لَـأ علم...    وأجــهلُ..

سبَبَ عشقي لـهـا..!!؟؟     ..      فالأسبابُ كثيرة ..

لـــكــن..

عيونـُها ... و عيوبــها..!!؟؟ ... عُـنـوان الـعِــزّة الضَّــائـعـة .. والأمـجــاد الــغــابــرة..

ولما اقترب موعد الزفاف ، وعقد القيران والميثاق بين بقرة جدي والثَّورِالمَخْصِيّ نظرتُ إلى السماء مُتَأفِّـفًا ، آسفا .. حزينا ورفعتُ يديّ قائلا :

يا أمانة جدي...

إنـَّـــه بعد أن دنَّــسَـتْــكِ الأيـادي..

واسْــتَــهْــوى مُــحَـيَّــاك بنو الأوغاد..

و أربابُ الــگــسـادِ.. واسْــتَـحـلُّـوا خَـصـركِ للـسَّــلْـب والإغتصاب..فجـعَـلُـوكِ مَــرتَــعًــا للـنَّـهْــبِ والفـسـاد..

ثمّ نَـعَــوْكِ للــشَّـعـبِ مُــعــلِــنــيـنَ الحـداد..و أزمــة الاقتـصـاد..

إنـــه ليس لكِ يا حبيبة قلبي وأمَـانــةَ أبـي وجـدّي ..

لـيــس لكِ ..

بعد أن أضـحـى أبنائُـك بين الـمـزابـل والـمـقابر ..

وبعد أن وَقعتِ كَرْهًا  بيد كلّ لِــصٍّ مُــقـامــرٍ..

ليس لك سوى الـفُــسْـق والفُـجـور ..

في أسواق العُــهـْـرِ والـسُّـفور..

فَــعَــربِــدي و ارقُــصـي و افْــجُــري..

كما أَرْغَمُوك .. وأكْرَهُوك ..    

فـإنَّـكِ ما أسَــئْــتِ

ما أســئــتِ ..   إن بَـغَـيـْتِ ..وأنْكَرتِ ومَكَرتِ...!!! ما أســئــتِ إن تركت فَلِذات أكباَدِك للعنَاء والشَّقاء..

ما أجرمتِ في حَـقّهم إن تَركْتِهم كالأيتام حول مأدبة اللئام...

فأولاد الحرام سحَـروكِ ، ثمّ أسَروكِ ..

ولحضن العجوز (فرنسا) رَمـوْكِ وسَـلّــمـُـوكِ..!!

بعد ان بَـالوا على رُفَـاة مَـن حَـرَّرُوكِ..

    قلتُ هذا الكلام مُطْرِقا رأسي وقد هَمَمْتُ بالمغادرة والانصراف يائِسًا..بائِسًا..خائفا بعد أن صلَّيتُ صلاة الجمعة في مسجد حيِّنا ... وإذا فجأة بتكبيرةٍ تعلو من الشارع ، تَـليهَا صَيحةٌ، ثم زغرودةٌ ، وأصواتٌ نَـدِيَّة  تهبُّ مع أنسام الحرّية المَنسيّة تتلو قصيدة الشابي الأزلية  :

إذا الشعب يوما أراد الحياة...فلا بد أن يستجيب القدر.....

ثم مالبثتْ بعدها أن تساقطت الأقنعة ..وسقط القناع عن القناع كما قال محمود درويش..

فرأيتُ تلك البقرة الهزيلة تتحول إلى غابة نخيل ساعة السَّحر بعد أن زالت عنها طلاسم السِّحر ..!!! ؛ فأدركت عندها بعين اليقين مغزى وصية جدي..الشبيهة بقصة الأميرة والغول..الغول الذي اتضح في نهاية القصة أنه أمير وسيمٌ قد سَحَرته المُشعوذة..فكذا هو الشَّأن مع بقرة جدي..-أقصد جنة جدي-..!!!

    حقا إن دوام الحال من المحال..والشرُّ مهما طال واستطال فمآله الاندثار والزوال.

                                                                                    بقلم : ((إسماعيل بوتمامين))


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة