-->
U3F1ZWV6ZTI5NTQ5MjcwMjI5X0FjdGl2YXRpb24zMzQ3NTI0NjMzMzI=
recent
أخبار ساخنة
��الاخبار��

المناضل الصغير(2)

               بسم الله الرحمان الرحيم 
                                                               
أعزائنا متابعي مدونة مدرستي يطيب لنا كثيرا أن نلقاكم مجددا ، وفي جعبتنا هذه المرة تكملة أخرى لنص المطالعة الذي قدمناه لكم منذ فترة بعنوان

❤المناضل الصغير

إنها قصة قصيرة جديرة بالقراءة والمطالعة ؛ فـهي لمحة موجزة من سيرة المجاهد البطل
((لونيس مختاري))  أثناء كفاحه منذ صغره ضمن صفوف جيش التحرير الوطني



المناضل الصغير2

قصة واقعية من أيام الثورة التحريرية....

      بقلم : أ.إسماعيل بوتمامين    

يــُحـدّثنا مناضلنا الصغير قائلا :                                                                       
   

    إنَّ ما شاهدته على مدار الأيام خلال أدائي لمهام النضال لم يخلو أبدا من المغامرة والمخاطرة ومعايشة لحظات المجازفة - على نحو مارويت سابقا- فكنت أحتاط بسلاح الحرص والحذر ، لكن تبقى الأمور دائما تجري بميزان الحكمة والقدر ، فمجريات رحلة العودة من مهمة لقاء المناضل محمد الطاهر نوري بـ : تفلفال حملت لي مفاجآت لم تكن في الظنِّ أو الحسبان ، فَكَسَرَتْ بذلك عندي أفق التوقع والإنتظار وأوقرت في نفسي معان وأحاسيس لا تزال راسخة في الخاطر والبال   فالقصة وما فيها ، أنَّني ذهبت إلى تفـلفـال عند المناضل محمد طاهـر نوري ، فأعـطاني رسالـة مكتوبة مع مِــزْوَدٍ ( خُرْجٌ ) مليئٌ بـ : " الطَّمِينَة " ، إضافة إلى علبتين تحويان رُزَمًا من الأظرفة والأوراق ، وطلب مني توصيلها إلى خالي سي بلقاسم مختاري في قرية تاحمامت ، ليقوم بدوره بتسليمها لعناصر الجيش . وضعت المزود في البردعة على ظهر الحمار بعد أن أدخلت الرسالة الخاصة في جيب سترتي ثم إنصرفت قافلا نحو القرية ، وفي الطريق فُوجئت بظهور دورية لجنود الإحتلال أمامي من مسلك مُنْزَوٍ عن الأنظار ، خلف أكمة قريبة ، ممَّا لم يمنحني الكثير من الوقت للتَّصرف المناسب بإخفاء المزود والرسالة ، فَخَطَفْت بحركة سريعة المزود من على ظهر الدابة وقذفت به في المنحدر، أسفل جانب الطريق ، قبل أن آخذ الرسالة من جيبي وأقوم بدسِّها تحت البردعة من دون تغييب ناظريَّ لمحة عن متابعة تقدُّم الجنود الذين هالني من أحدهم إلتفاتة حادة إلى ما فعلت - فقد كان أول من إستقبل طرف الطريق ما سمح له برؤيتي - وليس يسعني أن أصف شعوري ومدى إنفعالي حينما وقعت عيناي بعينيه مباشرة وهو ينظر إليَّ أرمي المزود بعيدا ..؟؟

تسارعت دقات قلبي وإرتفع ضغط دمي ، وتصلَّبت عروقي وجمدت مكاني فتزاحمت الأفكار في عقلي ورأسي .. أنَّه من غير المعقول أن يجدوا تلك الكمية الكبيرة من الطَّمينة داخل المزود ولا يذهب بهم الإعتقاد فورا أنَّها أُعِدَّت للجيش .. وعلى إفتراض أنَّهم سيصدقونني إن قلت لهم لدينا عرس أو وليمة وهذه الطَّمينة  تخصُّ الضيوف و أفراد العائلة ، فكيف ستكون ردَّة فعلي وتصرفي   بل ماذا سيكون جوابي عندما يجدون العلب التي تحوي الأوراق والأظرفة البريدية ، والأكثر من ذلك  الرسالة ذاتها ..؟؟ 

لا شك أنَّ أمري إنتهى وأضحى واضحا مكشوفا وما عليَّ إلا بالتماسك وإلتزام الصمت ، فليس ينفع ذا البليَّة حين نزول البلاء سوى الصبر والجلد والتضرُّع للأحد الصمد..

 أقبل الجنود صوبي فتقدَّمهم الجندي الذي أبصرني أرمي المزود ، وإنحرف بخُطَاه مباشرة ناحية أسفل المنحدر حتى وقف عند المزود ، ثم ما لبث أن إنحنى وأَقْعَى عليه مُثَـبِّـتًا ركبتيه فوق الأرض في وضعية من سيقضي حاجته ، مُمَوِّها بذلك زملائه عن رؤية المزود فتمالكني ذهول كبير أفقدني الإحساس بآلام الضرب المنهال عليَّ من قِبَل بعض الجنود  الذين مروا بقربي ، وما كان ضربهم لي إلاَّ إستصغارا وكذا إستضعافا منهم لحالي وإحتقارا لشأني ؛ إذ ليس التصرف بهمجية وقساوة لسبب ولغير سبب عملا غريبا عن أخلاقيات الإحتلال وعدوانية أعوانه ، فما أهمَّتني زنود أكفِّهم الغليظة ، ولا قوة ركلات أقدامهم الشديدة ماداموا لم يكتشفوا حقيقتي أو يسعوا في تفتيشي 

مضى الجنود في سبيلهم ثم تبعهم الجندي الكتوم في صمت وسكون وقد ترك في نفسي فضولاً  تَلُفُّه الحيرة والغموض عن سرِّ صنيعه الجميل معي ، بعد أن أخذت عنه إنطباع المحسن المتفضِّل.. !!

إنَّ قيام جندي تابع لقوات العدو بالتَّكتُّم عنّي وإنقاذي من ورطة أكيدة ومشكلة كبيرة كانت ستؤدي ولا محالة إلى عواقب وخيمة غير محمودة تجرُّني نحو الهاوية.. فقيامه بمساعدتي على ذلك النحو الخطير ، عندما تجَشَّم عناء إخفاء المزود بإتخاذه هيئة التضليل المقصودة على الوضعية المذكورة رَدْءً لإنتباه زملائه ، ودونما سبب معلوم أو معرفة سابقة بيننا ، استرعى إهتمامي كثيرا وحرَّك في داخلي رغبة عارمة لمعرفة كُنْهِ الرجل وغايته من وراء ما فعله ، ولعل طبيعة العناد والفضول الجامحة لديَّ أسهمت في بلورة أواصر عزيمتي للإقدام على الخروج في صبيحة اليوم الموالي من الدار باكرا قاصدا تفلفال لأتحسس خبر الجندي في معسكر " أريناش " أين تتواجد أفواج قوات الإحتلال التي تمَّ تنزيلها في المنطقة مع بداية الثورة وأحدثها المبرورة .. فقدَّرت بإمعان تفكيرأنَّ أكثر مكان يمكن أن يرتاده  جنود الإحتلال في أريناش هو مقهى " السارجان " بالجوار؛ على إعتبار أنَّ مالكها المدعو / مسعود السارجان ؛ أحد ذيول الإستدمار وأعوانهم المتعاطفين جدا مع سلطة نظامهم . وعليه فإنَّ المقهى كان يمثِّل المحلَّ الأمثل الذي يُحِبُّ الجنود قضاء وقت الفراغ فيه ، توجهت إلى المقهى وفي نيتي الدخول إليها لإلتماس معاينة الحاضرين ومراقبة الداخلين في آن واحد .. لكن وقبل أن تطأ قدماي مدخل الباب قابلني صاحبها " مسعود السارجان " بتكشيرة رهيبة وزَمْجرةٍ عنيفة ، راح على إثرها يسُبُّني بأقبح الألفاظ وأسوإ العبارات ، كما أخذ يضربني بغرور ووقاحة من غير سبب إلا لأنني فتى ريفيٌّ بسيط لست من مستواه الجائر المتسلط .. وأيُّ مستوى هذا الذي يتمرَّغُ أصحابه تحت مواطن نعال الإحتلال ويرون في هذا الشَّرف والإعتزاز.

إستمر السارجان في صبِّ جام غضبه عليَّ ؛ بضربي وكذلك قدحي بوابل الشتائم طغيانا بالظلم والعدوان  دون  أن أُحرِّك ساكنا لأجل ردِّه  إلا من محاولة إجتناب ضرباته ، وماذا عساي أن أفعل أكثر من ذلك ولا حول ولاقوة لي مفردا أمام وحش كاسر تقف معه مجموعة من الذئاب الجائعة ، ثم إنَّ ردة فعلي ضده قد تحول ومبتغاي الذي سعيت لأجله ؛ فأُطرد بعيدا أو أعاقب أشدَّ العقاب من قبل أعوان فرنسا الخونة ولربما يُكتشف سرِّي من كوني أحد أعضاء خلايا النظام ، وعلى كلٍّ فالأمر لم يطل كثيرا ؛ إذ فجأة  تدخَّل جنديٌّ طويل القامة أسمر الهالة من جنود الإحتلال مُمْتَشِقا سلاحه الرشاش من على عاتقه وموجِّـهـا إيَّاه صوب هامة مسعـود السارجـان ، ومخاطبا له بلهـجـة عربية دارجــة – فيما معناه - " تحتقر ولدا صغيرا وستقوي عليه .. ألا تستحي.. "

 فيا للعجب.. لقد كان نفس الجندي الذي قام بمساعدتي في المرة الفائتة.. !! ، وهاهو ذا القدر يجمعني به ثانية في وقت كنت أسعى للبحث عنه ، فظهر هنا بقدرة القادر لتخليصي من موقف حرج آخر .. !!

دعاني الجندي بعدها بلباقة وإحترام لتناول القهوة معه فأخبرني خلالها أنَّه إبن البلاد ومن الباهية وهران ؛ تمَّ تجنيده بالقَسْر والإكراه لأداء الخدمة العسكرية في صفوف الإحتلال ، لم نطل القعود طويلا لكي يحدثني كثيرا عن نفسه ؛ إذ سرعان ما طلب مني مرافقته خارجا وحدَّد لي في إحدى الجهات المقابلة لأريناش بمسافة تقدر نحو الكيلومتر كدية صغيرة وقال أنَّه سيكون هنالك خلال فترة وجيزة وسوف يبقى فيها مدة ثم سينصرف ومتى رأيته يغادرها ، أذهب إليها من فوري وأبحث في أرجائها عن صخرة كبيرة هي بمثابة أمارة دالة ، طلب  مني أن أحفر تحتها وآخذ  كلَّ ما ألقاه فيها..

إنطلق الجندي إبن الباهية وهران إلى شأنه مثلما قال وبقيت أدور وأتمشَّى متفكرا في كلامه الملغز ، ومنتظرا ما ستُسْفر عنه الحال ، فرأيته بعد فترة قصيرة واقفا على الكدية حينا من الزمن ثم إنصرف عنها ، فشققت بدوري الطريق نحوها ولمَّا أتيتها بدأت أجول بعينيَّ في المكان بحثا عن الصخرة العلامة حتى وجدتها ، فعملت بالحفر أسفلها إلى أن إستخرجت صندوقا متوسط الحجم يحتوي ذخيرة وقنابل ( 300 خرطوشة و 05 قنابل يدوية ) عندها تبيَّن لي جيدا المغزى من قوله خذ ما تلقاه في الحفرة ، ومن أنَّ مساعدته لي على ذلك النحو صرخة من صرخات الإباء والفدء أملتها  عليه رابطة الأُخوة في الدِّين والوطن أولا ، ووازع الإيمان بقضية الجيش والجبهة ثانيا .




حملت الصندوق وعدت به إلى القرية وحينما وصلت طمرته تحت شجرة التين في البستان حتى قدم عناصر جيش التحرير إلى القرية ، وفيهم محمد بن مسعود بلقاسمي وعلي بن جديدي ومحمد عماري .. فأعلمتهم بالذي كان من الجندي وأمره وكذا دللتهم على الصندوق ومكانه فأكبروا شهامة الجندي وإخلاصه لأبناء وطنه رغم صعوبة ظرفه وموقفه ، ما جعل القائد محمد بن مسعود بلقاسمي يطلب من المجاهد محمد عماري تحرير صكِّ إجازة موقَّعٍ وموثَّقٍ بختم جيش وجبهة التحرير الوطني للجندي عرفانا وإقرارا لمعروفه الجميل ، وأيضا تقديرا لمجهوده الجليل   ويجدر الذكر أنَّ صكَّ الإجازة المعتمد من طرف جيش التحرير أثناء الثورة كان يُعَدُّ إمتيازا وإستحقاقا لا يناله أو يحصل عليه إلا ذَوُا الطَّول من المسبِّلِين والمناضلين ، وهو إلى ذلك وثيقة رسمية تُظهر علاقة صاحبها بالجيش والجبهة مما يسمح له بمداولة نشاطه على نطاق واسع .

المناضل الصغير
سلَّمني القائد محمد بن مسعود بلقاسمي الصَّك لأعطيه للجندي عندما أراه فأستحسنْتُ الفكرة وأُعجبت بهذا المقترح ، وعزمت على دعوة الجندي للإنضمام إلى صفوف الجيش في المنطقة ، بل وكنت شبه واثق من موافقته وتلبيته لنداء الواجب والشرف ، كيف لا.. ، وقد سبق وأن خطى على نهجه بعصاميَّة تدبيره ورأيه ، فحسْبِيَ أنَّه يحتاج إلى شيء من الدفع والتحفيز فقط  ليُعبِّر عن قبوله مباشرة ، ثم إنَّ المجاهدين أحسنوا الظَّن به ولن يترددوا في إستقبال جَنَابِه ..

ذهبت إلى أريناش ؛ حيث يتواجد معسكر الإحتلال ، وكلي أمل وتفائل كبير للقاء الجندي إبن وهران فأُبلغُه عبارات الشُّكر والإمتنان نيابة عن قادة وعناصر جيش التحرير، وكذا إقناعه بفكرة الإلتحاق بالمجاهدين ما دام على ذلك القدر من الحماس والشغف بالوطنية الجزائرية وقضيَّتها الثورية ، وفي المقابل الإزدراء من تحمُّل الأوزار الاستدمارية ، لكنني أسفت وحزنت كثيرا عندما عَلِمت أنَّ الكتيبة التي كان فيها الجندي الوهراني غادرت وإنتقلت من معسكر أريناش إلى وجهة أخرى غير معلومة ، وهكذا راح الجندي أو المجاهد الخفيُّ في صمت وسكون كما جاء ، فما حَظِيت بفرصة شكره أو معرفة اسمه على الأقل ، وقد خلَّف رحيله في نفسي حسرة وألما لم يمحوها سوى اليقين بأصالة شخص الرجل ووفائه لبلده ، مما سيُـلْهِـمه ولا شك سبيل الرَّشاد بالمساهمة  في نصرة الثورة بأيَّة بقعة أو منطقة حلَّ من هذه الأرض ، أرض الجزائر العزيزة..  



 فــضــلا شــاركوا الموضوع مع أصدقائكم من خلال الروابط الموجودة أدناه.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة